محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )
174
القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني
في مختلف القصص التوراتية والإنجيلية والقرآنية ، يسهل علينا أن نبيّن كيف أن التنظيم السردي يتطوّر كمجاز ضخم يحمل في طياته شيئا من التعالي أو من الروحانية بمساعدة نقاط ارتكاز مادية أو فيزيائية : كالكهف ، والكلب ، والنوّام السبعة ، والسنوات الثلاثمائة وتسع ، والحوت ، والصخرة ، ومجمع البحرين ، ومغرب الشمس ومطلعها ، والسفينة ، والجدار ، والقرية غير المضيافة . . إلخ . ولكن العملية مختلفة كما سنرى في الخطابات الثانية ( أو الثانوية ) . فكلما اهتمّت هذه الأخيرة بتقنين المراتبيات الاجتماعية الهرمية ، أو بتثبيت الحالات الذاتية ( الصوفية ) ، حوّلت القولبة الروحية للمحيط الفيزيائي المادي وللزمنية الطبيعية إلى نظام معياري إيديولوجي ، أو مؤسطر أو مزيّف « 1 » . 3 - في ما وراء المثال القرآني والإسلامي ، فإن هدف القراءة كلها هو المساهمة في تحرير المعرفة التاريخية من إطار القصة ومجرياتها من أجل جعلها تتوصل إلى وظيفة الكشف عن الرهانات الحقيقة للتاريخية « * » . حتى هذه اللحظة كان الانتقال من لحظة التاريخية الخام المعاشة من قبل كل مجموعة أو طائفة ، إلى لحظة التاريخ ، قد حصل داخل
--> - ولكي نجعل هذه المصطلحات الأربعة فعّالة أو قابلة للتطبيق بدرجة من الدرجات . وهي مصطلحات شائعة ومستخدمة جدا في أيامنا هذه . إنّ التساؤلات والدراسات التي أدخلها المفكّر الفرنسي جان بيير قيرنان في ما يخصّ الفكر الإغريقي تساعدنا كثيرا على تطبيق هذه المصطلحات على الفكر الإسلامي أو معرفة كيفية تطبيقها . للأسف ، فإن « المستشرقين » يظلون عموما بعيدين عن مثل هذه المنهجيات المستجدة أو الفضول المعرفي التاريخي والإبستمولوجي . ( 1 ) وهنا بالذات يكمن كل الانتقال من مرحلة « المجاز الحيّ » إلى التسمية الصارمة ، أو من الرمز إلى العلامة فالإشارة . وينبغي تتبّع هذا الانتقال عبر تطوّر الثقافة الإسلامية ومسارها الطويل حتى يومنا هذا . * ما ذا تعني هذه العبارة الصعبة ؟ كيف نفهمها ؟ إنّ أركون يريد أن يتجاوز المثال الإسلامي لكي يتوصل إلى معرفة أكثر عمومية . فالتراث الإسلامي ليس إلا مثالا واحدا من جملة أمثلة أخرى على التراث الديني . وهو يدرسه هنا لكي يتوصل من خلاله إلى معرفة تتجاوزه وتغني المعرفة البشرية ككل . ولا ينبغي أن نتخذ التراث الإسلامي كمطلق ، كما يفعل المؤمنون التقليديون المسجونون داخله ، وإنما ينبغي أن نتكئ عليه - كما نتكئ على غيره كالتراث المسيحي أو اليهودي أو الهندوسي . ومن أجل التوصل إلى معرفة كونية بالإنسان والتاريخ ، ولكي نتوصل إلى هذه المعرفة ، كي نكشف عن الرهانات الحقيقة لحركة التاريخ أو لما ندعوه بالتاريخية ، فإنه ينبغي علينا أن نحرّر المعرفة التاريخية من الإطار القصصي أو السردي الذي كان سائدا في العصور القديمة . والواقع أن هذا الإطار القصصي كان يتناسب مع عقلية الناس في ذلك الزمان ، أي في عصر الأسطورة ، والخيال المجنّح ، والميل إلى تصديق كل ما هو غريب ، عجيب ، خارق للعادة . أما الآن فإن المعرفة التاريخية ينبغي أن تتحرر من كل ذلك لكي تصبح أكثر دقة وعلمية ، ثم لكي تصبح أكثر قدرة على فهم الرهانات الحقيقة للتاريخ . وهذه الرهانات تتمثّل أساسا في تصارع الناس من أجل السيطرة على الأملاك الروحية والمادية ، وليس فقط المادية . ونقصد بالأملاك الروحية الرأسمال الرمزي الأعظم المتمثّل بالمنتوجات الفكرية والثقافية بما فيها الدين .